من فضائل لا حول ولا قوة إلا بالله   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد.. "فمن الكلمات العظيمة التي وردت النصوص بفضلها وعظم شأنها (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، وقد وردت نصوص بفضلها وحدَها، وكذلك مضمومة لأذكار أخرى، وأوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من أصحابه، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا"، ثُمَّ أَتَى عَلَيَّ وَأَنَا أَقُول فِيِ نَفْسِي: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ"[1].   وروى الإمام أحمد - رحمه الله - في مسنده من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال: "أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِيبِحُبِّ الْمَسَاكِينِوَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْأَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْأَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَنْلَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَنْ لَا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ"[2].   قال النووي - رحمه الله -: "قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره، ولا رادَّ لأمره، وأن العبد لا يملك شيئًا من الأمر، ومعنى الكنز هنا أنه ثواب مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم"[3].   وقال ابن القيم - رحمه الله -: "ولمَّا كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس، وكان هذا شأن هذه الكلمة، كانت كنزًا من كنوز الجنة فأوتيها النبي صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش، وكان قائلها أسلم واستسلم لمن أزمة الأمور بيديه، وفوض أمره إليه"[4].   ومعنى: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّابِاللَّهِ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "أي: لا حول بنا على العمل بالطاعة إلا بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلا بالله"[5].   "وهذه الكلمة شاملة وعامة، وهي استسلام وتفويض – كما تقدم – وتبرؤ من الحول والقوة إلا بالله، وأن العبد لا يملك من أمره شيئًا وليس له حيلة في دفع شر، ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى، فلا تحوُّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهن إلى قوة، ولا قوة له على القيام بشأن من شؤونه إلا بالله العظيم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه"[6]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وقول: ولا حول ولا قوة إلا بالله يوجب الإعانة، ولهذا سنها النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾ [الكهف: 39]، ولهذا يؤمر بهذا من يخاف العين على شيء[7].   ومن فضائل (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): أنها كفارة للذنوب، فقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا عَلَى الأَرْضِ رَجُلٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، إِلاَّ كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ"[8].   ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها مع ما معها من الأذكار الأخرى بدلًا عن القرآن في حق من لا يحسنه، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن أبي أوفى قال: أَتَى رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي شَيْئًا يُجْزِئُنِي مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: "قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ"، قَالَ: فَذَهَبَ، أَوْ قَامَ، أَوْ نَحْوَ ذَا، قَال: هَذَا لِلَّهِک، فَمَا لِي؟ قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي – أو: ارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي"[9].   ومنها: أنها كفاية للعبد وحرزًا له من الشيطان، روى أبو داود في سننه من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ: فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: حَسْبُكَ، قَدْ كُفِيتَ وَهُدِيتَ وَوُقِيتَ، فَيَلْقَى الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا آخَرَ فَيَقُولُ لَهُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وَهُدِيَ وَوُقِيَ"[10].   ومنها: أنها سبب لإجابة الدعاء، وقبول العبادة، روى البخاري في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ تَعَارَّ[11] مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكلَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُم اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا؛ اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ"[12].   ومنها: أنها باب من أبواب الجنة، روى الإمام أحمد من حديث قيس بن سعد بن عبادة أن أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه، فأتى عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد صليت ركعتين، قال: فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: "أَلَاأَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟" قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"[13].   ومنها: أن من داوم عليها وجد قوة في بدنه، قال ابن القيم - رحمه الله -، "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يذكر أثرًا في هذا الباب، وهو: "أن الملائكة لما أُمروا بحمل العرش، قالوا: يا ربنا كيف نحمل عرشك وعليه عظمتك وجلالك؟ فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلما قالوها حملوه"[14].   وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معاناة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك، ومن يُخاف، وركوب الأهوال"[15]. وكان حبيب بن مسلمة يستحب إذا لقي عدوًا، أو ناهض حصنًا يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ناهض يومًا حصنًا فانهزم الروم، فقالها المسلمون وكبروا، فانصدع الحصن[16].   تنبيه: بعض الناس ينطق هذه الكلمة بشكل غير صحيح، فيقول: (لَا حَوْلِ اللَّهِ)، وبعضهم يستخدمها في غير موضعها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وذلك أن هذه، أي: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب، ويقولها جزعًا لا صبرًا"[17]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. [1] برقم 6384.[2] (35/ 327) برقم 21415، وقال محققوه: حديث صحيح.[3] شرح صحيح مسلم (17/ 28-29).[4] شفاء العليل ص112.[5] الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (5/ 393).[6] فقه الأدعية والأذكار، د. عبدالرازق البدر، ص253 بتصرف.[7] الفتاوى (13/ 321-322) باختصار.[8] مسند الإمام أحمد۴ (11/ 15) برقم 6479، وقال محققوه: إسناده حسن، إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أصح.[9] (31/ 479) برقم 19138، وقال محققوه: حديث حسن بطرقه.[10] سنن أبي داود برقم 5095، وصحيح ابن حبان برقم 819 واللفظ له، وصححه الشيخ الألباني۴ كما في صحيح سنن أبي داود (3/ 959) برقم 4249.[11] التعار: استيقاظ يصحبه كلام.[12] برقم 1154.[13] (24/ 228) برقم 15480، وقال محققوه: حسن لغيره.[14] الفتاوى (10/ 33)، وهو من الإسرائيليات، والمستدرك على مجموع الفتاوى 1/ 158.[15] الوابل الصيب، ص186-187.[16] الوابل الصيب، ص187، وأخرجها البيهقي في دلائل النبوة (7/ 113).[17] الاستقامة (2/ 81). رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/121031/#ixzz5BJMmcyCn